بعد مواجهة والدتها لها بمعرفة جاسر أنها السبب بإصابة وإجهاض تاج شعرت بالخزي من مقابلته، لم تعُد تستطع مواجهة انعكاسها في المرآة، فكيف ستواجهه هو؟ شعرت بثقل الذنب يجثم على صدرها، يخنق أنفاسها كلما تخيلت نظراته المليئة بالغضب أو الاشمئزاز والخذلان منها.
.. لكن كانت تعلم أن المواجهة حتمية، لكنها لم تكن مستعدة لرؤية الكراهية في عينيه... كيف ستدافع عن نفسها؟ كيف ستبرر فعلتها؟ أم أنها ستقبل بحكمه بصمت، كما لو كانت تنتظر الإدانة المستحقة؟
ارتجفت ساقيها وهي تقف أمام الشقه ، ترددت للحظة قبل أن تقرر الدخول… وتواجه مصيرها معه، أم تظل مختبئة في ظل خطيئتها...فكرت بالمُغادرة، لكن طفلها فضحها حين تحمس ودلف سريعًا للداخل، قابله جاسر بحماس وعانقه بسعادة، بينما دلفت هالة تنظر لـ جاسر بترقُب لرد فعل جاسر بعد أن رأها ظل يحمل الطفل بين ذراعيه، يتأمل ملامحه ببسمة، ثم رفع عينيه ببطء نحو هالة.
.. لم يكن في نظرته الغضب الذي توقعته، ولا حتى الدهشة، بل شيء أعمق… مزيج من الحنين والخذلان المكتوم.
شعرت هالة بأنفاسها تتسارع، تنتظر منه كلمة، أي رد فعل. هل سيوبخها، أو يرفضها
لكن جاسر لم يقل شيئًا... فقط وضع صغيرها الذي ذهب نحوها وسخب يدها للداخل،بينما جاسر اماء برأسه لها كآنه يُرحب بها بفتور، ثم تحجج برنين هاتفه ودخل لغرفته تركها تدمع عينيها تستوعب فتور استقباله، كيف يمكن له أن يكون هادئًا إلى هذا الحد...
هل فقدت مكانتها لديه كشقيقة لها مَعزَة خاصة... حاولت أن تمسح دموعها بسرعة قبل أن يراها طفلها، لكنها شعرت بأن قدميها لا تستطيعان حملها... جلست على أقرب مقعد، تحتضن نفسها وكأنها تواسي قلبها المُخطئ... تلتفت حولها وكأنها غريبة في هذا المكان .
.. فاقت من عتمة ندمها على صوت صرخة مدوية... خرج جاسر على إثرها من غرفته وتوجه خلفها الى الخارج وهي تقف تكاد تفقد عقلها وهي ترا طفلها ينزلق على درجات السلم بعد أن تعثر على السلم...
توقفت أنفاسها للحظة، وكأن الزمن تجمد عند المشهد المروع أمامها... طفلها يتدحرج على درجات السلم، جسده الصغير يتقلب مع كل درجة يسقط فوقها، وصرخاته تخترق قلبها كرؤوس سهام حادة... شعرت بأقدامها تثقل، وكأنها مُسمرة في الأرض، بينما عقلها يرفض استيعاب ما يحدث.
لكن جاسر لم يتوقف... اندفع كالصاعقة، قافزًا عبر الدرجات في محاولة للوصول إلى الطفل قبل أن يرتطم بالأرض... مدَّ يده، وأمسك به قبل أن ينزلق إلى النهاية، ليحتضنه بقوة بين ذراعيه... توقف الصغير عن الصراخ، صدره يعلو ويهبط بذعر، وعيناه الغارقتان بالدموع تتشبثان بوجه جاسر.
هرعت نحوهما، قلبها يكاد يقفز من صدرها... أخذت طفلها بين ذراعيها، تتفقده بعينين مذعورتين، تتحسس وجهه، يديه، جسده الصغير، تبحث عن أي علامة للأذى. بكت وهي تضمه إليها، تهمس باسمه، تدعو له بصوت مرتعش.
وقف جاسر أمامها، عيناه الداكنتان تحملان شيئًا لم تلحظه منذ زمن… قلق... خوف... شيء أشبه بإلقاء الذنب عليها لكنه لم يقل شيئًا، فقط أدار وجهه جانبًا وكأنه يحاول إخفاء اضطرابه، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد:
إزاي سبتيه لوحده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.