. تنهد بأسف لكنه يحمل داخله عاصفة من المشاعر المكبوتة... قائلًا بصوت هادئ:
أنا مش بطلب منك تصدقيني، بس بطلب منك تسمعيني.
زحفت درة بظهرها للوراء، تشابكت ذراعيها أمام صدرها، وعيناها تحدق فيه بسخرية واضحة..مُستهزأة:
أسمعك؟ ليه؟ عشان تقولي كلام كله كدب .. إنت جبان يا طوفان.
ليست دموعها فقط هي ما تفتك بقلبه، بل كلماتها الهادرة لقلبه، لوهلة أغمض عيناه.. وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يحاول أن يلملم شتات روحه التي بعثرتها كلماتها... كآن وقعها عليه أشد من طعنات خنجر مُسمم مغروس في صدره، وكل حرف نطقته كان يضرب وريدًا نابضًا في قلبه.
.. لحظة، تساءل إن كان الألم في صدره سببه كلماتها أم دموعها التي تنهمر كالسيل الجارف، تُعري وجعها أمامه بلا حجاب... ومع ذلك، لم يستطيع النُطق، فقط أغمض عينيه، يود أن يهرب من الحقيقة، لوهلة إنخفضت يده التى تحمل الهاتف، فتسلط الضوء على يدها، بنفس اللحظة فتح عينيه على صوت شهقاتها المتقطعة، وبينما خفض يده التي تحمل الهاتف، تسلط الضوء على يدها، المغروسة في الرمل الأسود.
.. في تلك اللحظة، عاد ببصره إليها، متأهبًا، حين بدأ السعال ينهش صدرها... لم يتردد، لم يهتم لاعتراضها أو رفضها، فقط اندفع نحوها، مدّ يديه وأطبق برفقٍ على عضديها، يجذبها للنهوض رغم مقاومتها، صوته جاء حاسمًا، متوسلًا:
دُرة، قومي معايا بلاش عناد.
قاومته بكل ما أوتيت من ضعف، ما زالت تسعل بين شهقاتها، وصوتها المخنوق بالدموع خرج متحشرجًا بنهجان:
إبعد عني مالكش دعوة بيا، سيبني أنا عاوزه أفضل هنا جنب قبر بابا، عاوزه أموت جنبهُ.
لم يستسلم، تشبث بها أكثر، وحين أدرك عنادها، دس يده في جيبه، أخرج علبة الدواء، قربها من شفتيها المرتجفتين. لكنها أطبقت فمها بإصرار، رافضة الاستسلام، بينما نظر إليها برجاء، وكأن حياته كلها مُعلقة على تلك اللحظة.
ضاقت عيناه بألم مكتوم وهو يراها تعاند حتى آخر رمق، ترفض الدواء وكأنها ترفض الحياة ذاتها... زم شفتيه بقوة، يحاول كبح غضبه، لكنه لم يتمالك نفسه أكثر، فقبض على ذقنها برفق لكنه بحزم، محاولًا إجبارها على فتح فمها قائلًا بضغط منه:
دُرة ما تعانديش أكتر.
لكنها أدارَت وجهها بعناد، ودموعها تهطل بغزارة، تهز رأسها نفيًا وهي تهمس بيأس بين شهقاتها:
سيبني… مافيش حاجة فاضلة ليا في الدنيا دي بعد بابا وحسام.
انتفض قلبه بوجع، شعر بتمزق روحها يتغلغل في صدره، أراد أن يصرخ، أن يهزها بقوة حتى تدرك أن الحياة لم تنتهِ، لكنه بدلاً من ذلك، تنهد بعمق، أرخى يده عن وجهها، لكنه لم يبتعد... بل مال نحوها، حتى صار وجهه قريبًا جدًا منها، عينيه الغارقة بالحزن تلتقي بعينيها الممتلئتين بالدموع.
تفوه بحسم:
وإنتِ فاكرة إنك لو موتي هتلاقي عمي مختار او حسام فى انتظارك... فكرى يا دُرة باباكِ كان هيكون مبسوط وهو شايفك ضعيفة كده... عمره ما كان هيرضى يشوفك بتموتي بالحسرة، ولا أنا كمان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.