بكت بحرقة كما لم تبكي من قبل على ذلك الأسر الصعب التحرر منه ، ثم أخذت تضرب بعنف موضع قلبها ، وكأنها تعاقبه وتترجاه في آن واحد بأن يرأف بحالها قليلاً فما عاد بمقدورها أن تتحمل المزيد، فهذا يقتلها بالبطئ .
شعرت بالاختناق ، و كأنها تزف للموت فأوصدت عينيها ترحب به بسعادة ، فهي تنتظره منذ وقت طويل .
______________________________________
صباحاً خرجت رحيق من منزل السيدة سميحة في طريقها للعمل ، و لكنها شعرت بأن هناك أمراً غريباً يدور خلف ظهرها عندما لاحظت نظرات الجيران التي يرمقونها بها و كأنها معراة أمامهم .تساءلت بداخلها عن سبب هذا ، و سرعان ما أتاها الجواب عندما سمعت إحداهن تقول باذدراء :- بنات آخر زمن ، ما صدقت الولية تموت علشان تدور على حل شعرها .
شحب وجهها بذعر ، و هزت رأسها بأنها بالتأكيد ليست المقصودة بهذه الكلمات ، و ما إن خرجت من البناية وجدت سيدة أخرى تقول ما إن أبصرتها :- استغفر الله العظيم ، ربنا يستر علينا وعلى ولايانا ، البت مقرطسة الواد وعلى عينك يا تاجر ..
هزت رأسها بعدم فهم ، و رمقت نظرة خاطفة لهيئتها ، فشهقت بتذكر قائلة بخفوت :- يكونش على الفستان الجديد ! ، وأنا مالي بيهم ، أما أروح ألحق البت آلاء .
وما إن خطت خطوتين للأمام ، وجدت ذلك السمج بوجهها ، فنفخت بضيق قائلة :- يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم على الصبح ، يا نعم ؟
رفع حاجبه بإعجاب صارخ قائلاً بخبث :- إيه الحلاوة دى يا بنت حتتي من أين لكي هذا ؟
أردفت بضيق :- حاجة ما تخصكش ، و أبعد من طريقي خليني أمشي .
ما إن تخطته ، وقفت فجأة ، و اتسعت حدقتاها برعب ، و ذادت خفقات قلبها حينما أردف بصوت عال :- أشهدوا يا أهل الحارة ، اشهدوا يا منطقة ، الهانم مقرطسة ابن خالتها و ختماه على قفاه لا مؤاخذة ، و أديكم شايفين بنفسكم العز اللي ظهر عليها مرة واحدة .
أردفت إحداهن بسخط :- عندك حق يا ابني بنات عاوزة قصف الرقبة بصحيح .
أردف بخبث :- هو علشان الراجل غابله كام يوم في مصلحة تقومي تعملي كدة ، لا حلو دور الشيخة اللي عملاه دة .
جحظت عيناها بذهول من وابل الاتهامات التي تمطر عليها ، غير مصدقة تماماً وكأنها في كابوس ستستيقظ منه عاجلاً .حجزت دموعها بصعوبة ، وهي تتراجع للخلف، و استدارت فجأة لتطلق لساقيها العنان لتركض بكل ما لديها من قوة ، و سمحت حينها لإطلاق السراح لدموعها ، وهي تبكي بقهر وخوف ، لا تعرف ماذا ستفعل في تلك الفضيحة التي ألصقت بها .
.
هتف بغيظ وهو يشاهد هروبها :- شوف بجاحة البت إزاي ولا كأننا بنتكلم ولا عاملة اعتبار لحد .
هتفت السيدة باذدراء :- يلا ، لينا كلام مع ابن خالتها لما يجي هي فاكراها سايبة ولا سايبة !
أخذ يسير بخيلاء وعلى وجهه ابتسامة عابثة ، و يسترجع بذاكرته ما فعله بالأمس ..



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.